أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
338
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
كما تقدّم ، وليس كذلك . قوله : أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً الاستفهام للإنكار أي : أتفعلونه مع قبحه . وفي نصب « بُهْتاناً وَإِثْماً » وجهان : أحدهما : أنهما منصوبان على المفعول من أجله أي : لبهتانكم وإثمكم . قال الزمخشري : « وإن لم يكن غرضا كقولك : قعد عن القتال جبنا » . والثاني : أنهما مصدران في موضع الحال ، وفي صاحبها وجهان ، أظهرهما : أنه الفاعل في « أتأخذونه » أي باهتين وآثمين . والثاني : أنه المفعول أي : أتأخذونه مبهتا محيّرا لشنعته وقبح الأحدوثة عنه . وبهتان : فعلان من البهت ، وقد تقدّم معناه في البقرة « 1 » ، وتقدم أيضا الكلام في « كَيْفَ » ومحلّها من الإعراب في البقرة أيضا في قوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ « 2 » . قوله تعالى : وَقَدْ أَفْضى : الواو للحال ، والجملة بعدها في محل نصب ، وأتى ب « قَدْ » ليقرب الماضي من الحال ، وكذلك « أَخَذْنَ » و « قد » مقدرة معه لتقدّم ذكرها . و « مِنْكُمْ » فيه وجهان ، أظهرهما : أنه متعلق ب « أَخَذْنَ » . وأجاز فيه أبو البقاء أن يكون حالا من « مِيثاقاً » قدّم عليه ، كأنه لمّا رأى أنه يجوز أن يكون صفة لو تأخّر لجاز ذلك وهو ضعيف . و « أَفْضى » معناه ذهب إلى فضاه أي : ناحية سعته ( ، يقال : فضا يفضو ، فألف « أَفْضى » عن ياء أصلها واو . قوله تعالى : ما نَكَحَ آباؤُكُمْ : في « ما » هذه قولان : أحدهما : أنها موصولة اسمية واقعة على أنواع من يعقل ، كما تقدم ذلك في قوله ما طابَ لَكُمْ « 3 » ، وهذا عند من لا يجيز وقوعها على آحاد العقلاء . فأمّا من يجيز ذلك فيقول : إنها واقعة موقع « من » ، ف « ما » مفعول به بقوله « وَلا تَنْكِحُوا » ، والتقدير : ولا تتزوجوا من تزوج آباؤكم . والثاني : أنها مصدرية أي : ولا تنكحوا مثل نكاح آبائكم الذي كان في الجاهلية وهو النكاح الفاسد كنكاح الشّغار « 4 » وغيره ، واختار هذا القول جماعة منهم ابن جرير الطبري قال : « ولو كان معناه : ولا تنكحوا النساء التي نكح آباؤكم لوجب أن يكون موضع « ما » « من » . انتهى . وتبيّن كونه حراما فاسدا من قوله : « إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً » . قوله « مِنَ النِّساءِ » : تقدّم نظيره أول السورة « 5 » . قوله : إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ في هذا الاستثناء قولان : أحدهما : أنه منقطع ، إذ الماضي لا يجامع الاستقبال ، والمعنى : أنه لمّا حرّم عليهم نكاح ما نكح آباؤهم تطرّق الوهم إلى ما مضى في الجاهلية ما حكمه ؟ فقيل : إلا ما قد سلف أي : لكن ما سلف فلا إثم فيه . وقال ابن زيد في معنى ذلك أيضا : « إن المراد بالنكاح العقد الصحيح » وحمل « إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ » على ما كان يتعاطاه بعضهم من الزنا فقال : « إلا ما قد سلف من الآباء في الجاهلية من الزنا بالنساء فذلك جائز لكم زواجهم في الإسلام ، وكأنه قيل : ولا تعقدوا على من عقد عليه آباؤكم إلا ما قد سلف من زناهم ، فإنه يجوز لكم أن تتزوّجوهم فهو استثناء منقطع أيضا . والثاني : أنه استثناء متصل وفيه معنيان :
--> ( 1 ) آية رقم ( 258 ) . ( 2 ) آية رقم ( 28 ) . ( 3 ) سورة النساء ، آية ( 3 ) . ( 4 ) آية ( 258 ) . ( 5 ) آية رقم ( 3 ) .